السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وأسعد الله أوقاتكم بكل خير وأهلاً ومسهلاً بكم في مقالنا الجديد.
اللغز الأكبر: ماذا يدور في عقل "القيمر المدمن"؟
هناك نوعية من البشر تعيش بيننا، نراهم يأكلون ويشربون ويمشون معنا، ولكنك لو فتشت في عقولهم لن تجد إلا خطوطاً برمجية، وخرائط ألعاب، ومؤشرات طاقة. إنه "مدمن القيمنق" الحقيقي. هذا الشخص يملك تركيبة نفسية وعقلية غريبة جداً، تجعلك تقف أمامه حائراً وتسأل نفسك: "هذا الآدمي وش في مخه بالضبط؟".
بالنسبة له، الحياة ليست عبارة عن أيام وشهور، بل هي عبارة عن "مواسم إطلاق الألعاب" ومؤتمرات شركات التكنولوجيا. أي لعبة جديدة تنزل في السوق، سواء كانت لعبة رعب تحبس الأنفاس أو لعبة مغامرات وعوالم مفتوحة، لا بد أن يشتريها ويجربها في نفس يوم الإطلاق. وأي جهاز ألعاب جديد يعلن عنه في الطرف الآخر من العالم، تجده أول من يبحث عنه ويحجز النسخة الأولية منه. بالتأكيد قد مر عليكم شخص بهذه المواصفات في عائلتكم أو بين أصدقائكم، أو ربما تكون أنت نفسك هذا الشخص وأنت تقرأ هذه السطور الآن وتضحك!
وداعاً للهواتف.. عصر الأجهزة المحمولة المتطورة
في زمان مضى، وتحديداً في أيام جيل الطيبين، كان أقصى طموحنا أن نملك جهازاً صغيراً من أجهزة سوني المحمولة، نضع فيه "الميموري كارد" ونشغل الألعاب برسوميات بسيطة مقارنة باليوم، ومع ذلك كنا نراه معجزة تكنولوجية. أما اليوم، فتطور الأمر بشكل كبير جداً. مدمن القيمنق الذي نتحدث عنه لم يعد يكتفي باللعب عبر شاشة الجوال؛ هو يرى ألعاب الجوال مجرد "تسلية رخيصة" لا تليق بمقامه كقيمر محترف.
بدلاً من ذلك، ستجده أينما ذهب يحمل في حقيبته أجهزة محمولة متطورة جداً وخارقة القوة، أجهزة تشبه الأجهزة المحمولة القديمة في فكرتها ولكنها بمواصفات كمبيوترات خارقة وشاشات مبهرة. هذه الوحوش المحمولة تمكنه من تشغيل أضخم ألعاب البلايستيشن والكمبيوتر وهو جالس في السيارة، أو في المقهى ليه رايح مقهى ماتدري القهوه يطلبها ولا يشربها، أو حتى وهو واقف في طابور الانتظار. هذه الأجهزة أصبحت بمثابة الأكسجين بالنسبة له، يختنق لو خرج من البيت دون أن يتأكد أنها مشحونة بنسبة 100%.
فضيحة الملعب: ينطش المباراة الفاصلة ويلعب "تختيم"!
القصص والمواقف التي يتسبب بها هذا المدمن قد تجعلك تفقد عقلك حرفياً. تخيل أنك قررت أن تكرمه، واشتريت له تذكرة غالية الثمن لحضور مباراة كرة قدم حاسمة ومصيرية في الملعب، لكي يعيش الأجواء الحماسية، ويسمع هتافات الجماهير، ويشعر بحرارة اللقاء. تأخذه معك، وتدخلون المدرجات، والملعب يشتعل حماساً والكل يصرخ مع كل هجمة. ملتفت إليه لتشاركه الحماس.. وفجأة! ماذا تراه يفعل؟
تراه قد أدار ظهره للملعب والمباراة بالكامل، وأخرج جهازه المحمول المتطور من جيبه، وحشر نفسه في الزاوية، وجلس يلعب لعبة "تختيم" أو يقاتل وحشاً في عالم افتراضي! إنه "ينطش" المباراة التاريخية التي يدفع الناس آلاف الريالات لحضورها، ويغرق في شاشته الصغيرة وسط ذهول الجميع. والأغرب من ذلك كله، أنه قد يغلق الجهاز فجأة في قمة الحماس ونام! كيف نام وسط هذا الصراخ والأصوات المدوية وأبواق المشجعين؟ لا أحد يعلم! لديه قدرة سحرية على فصل فيش عقله عن الواقع والنوم في أي مكان وفي أي ظرف.
رحلة البحر الصامتة: ودك تخليه يرجع بيتهم مشي!
موقف آخر يتكرر دائماً ويعكس مدى العزلة اللذيذة التي يعيشها هذا الكائن. تقرر الشلة أو العائلة الذهاب في رحلة إلى شاطئ البحر، حيث الهواء النقي، وصوت الأمواج، والجلسة الودية حول شبكة المشاوي والشاهي الحار والمروق. يدخل مدمن القيمنق معكم في السيارة، ويصل إلى الشاطئ، واسماً أنه لا يريد أن يسبب إزعاجاً لأحد أو يفسد الرحلة على الآخرين، يقوم بأخذ كرسي والجلوس بعيداً خطوتين عند خط الماء.
تظن في البداية أنه يتأمل غروب الشمس، ولكنك عندما تقترب منه تكتشف الصدمة: حاط سماعات عزل الصوت الكبيرة فوق أذنيه، وممسك بجهازه المحمول، وعيناه تشعان ببريق الشاشة، ويلعب بكل اندماج وكأنه جالس في غرفته المغلقة وليس أمام بحر ممتد! في تلك اللحظة، وأنت تراه معزولاً تماماً عن الطبيعة وعن السوالف الودية، يأتيك ذلك الشعور الداخلي العارم: "ودك تخليه يرجع بيتهم مشي" وتركه على الشاطئ لعل الأمواج توقظه من عالمه الرقمي!
هكذا تتعامل مع مدمن القيمنق (لا تتعب نفسك معه)
النصيحة الذهبية التي نقدمها لكل من يتعامل مع هذه الفئة من الجيمرز هي: "لا تتعب نفسك معه". محاولة تغيير طبع مدمن الألعاب المحمولة أو إجباره على الاندماج في المناسبات الاجتماعية التقليدية هي معركة خاسرة مسبقاً. هذا الشخص لا يقصد إهانتك أو التقليل من قيمة الرحلة أو المباراة التي أخذته إليها، كل ما في الأمر أن عقله مبرمج على البحث عن "المتعة التفاعلية". هو لا يستمتع بمشاهدة الآخرين وهم يلعبون (مثل مباراة الملعب)، بل يريد أن يقود المعركة بنفسه ويكون هو البطل خلف أزرار التحكم.
بدلاً من العصبية ومحاولة مصادرة جهازه، تقبل الأمر بروح مرحة. اعتبر وجوده في الرحلة بمثابة "ديكور فخم" صامت، واستمتع أنت بوقتك مع بقية الحاضرين. هو سعيد في عالمه، وأنت سعيد في عالمك، والحياة تستمر بسلام.
خاتمة المقال
في نهاية المطاف، إدمان القيمنق، وخصوصاً على الأجهزة المحمولة الحديثة، أصبح ثقافة كاملة وأسلوب حياة لجيل كامل. هذه الأجهزة ورغم أنها تعزل الشخص أحياناً عن محيطه، إلا أنها تمثل ملجأً آمناً للكثيرين للهروب من ضغوط العمل والحياة اليومية واستعادة الروقان.
سواء كنت أنت ذلك المدمن الذي يرى في شاشة جهازه المحمول جنته الخاصة وسط صخب الملاعب وهدوء الشواطئ، أو كنت الصديق الوفي الذي يعاني من طناش صديقه الجيمر، تذكر دائماً أن هذه الهواية هي مساحة للمرح والمتعة. حافظ على أجهزتك مشحونة، واحترم طقوس أصدقائك، وتذكر دائماً أن "تراها كلها قيم" في النهاية.. سواء لعبتها في غرفتك تحت إضاءة السيت أب، أو وسط مدرجات الملعب وصوت الجماهير!
نشكركم على المتابعة، ويسعدنا دائماً مشاركتنا بآرائكم وتجاربكم في التعليقات أسفل المقال، وإلى اللقاء في تدوينة قادمة.



